عن محمد-بلا-اسم-ثانٍ و جماعته، البنات اليهود، و نِعمة الصَبَاح و قراءته

أتخذت مؤخراً ملاذاً من المقهى الكائن بقاع البناية المتاخمة لبناية سكن الطلاب (حيث أقطن نصفاً من كل أسبوع). أذهب هناك حينما أصحو (أحياناً أؤجل حتى الاستحمام من العجلة) و أقرأ تحت سماء الصباح ، و أظل أقرأ حتى تستدعي الحاجة أن أتوقف أو تقرر الظروف البيئية ألَّا تَظَل مرحبة بالقراءة و القرّاء – أمطَرَت مرة و أنا جالس أقرأ فاضطررت لحشو الكتاب داخل سترتي خشية أن يبتل، حتى اعتقد المارّة أني أخبئ مسروقات! لطالما أحببت تلك الصورة الكلاسيكية للرجل الجالس على طاولة المقهى يقرأ صحيفة، حتى وجدتني أتصرف مثله بلا دراية أو تخطيط. أو ربما كان تقديري لتلك العادة السبب بالتحديد. على أي حال، أصبحت أقرأ هناك، و أعجبتني الإضافة الجديدة لروتيني اليومي فاحتفظت بها، و أعتدت ألّا يقاطعني أحد إلا العابرين من الطلاب الذين يسألون ماذا أقرأ ببلادة من ليس مهتماً ولو الشئ القليل، و بشكل دوري يتساءلون لماذا أقرأ، و يُتبع هذا عادةً (و بشكل ينم عن نمطيّة سلوكية مطلقة) بسؤال: و ألا يصيبك الضجر؟ ألا تَمِل؟ و بعد أن أوضّح أنها رواية، و أني لست مجبرأ على قراءتها بل على العكس هي مصدر لمتعة بلا نظير، يأتي ذلك السؤال الجهنمي: نعم، أعرف أنها رواية، و لكن عن ماذا تتحدث؟

 الوحيدون القادرون على فهم مدى خطأ هذا السؤال هم من تلقوه بالفعل؛ كيف تطلب من أحد أن يلخص لك كتاباً في التو و اللحظة، و هو ما زال يقرأه؟ و إن استطاع – جدلاً – أن يُلخصه لك، ألا تعتبر هذه جريمة بحق الكتاب، و الكاتب، و دور نشر الكوكب الأرضي متجمعة، و الأدب ذاتِه؟ تَسأل عن ماذا يتحدث؟ اقرأه و ستعرف، و إلا لا تسأل! إذا كانت الأسئلة المفاجئة كالكائنات، فإذن هذا السؤال هو الموت نفسه، بعباءته السوداء، و منجله، و جسده المجرد من الجلد و اللحم – إلى آخر الصفات المبتذلة.

حسناً، رجوعاً إلى الموضوع الرئيسي: أعتدت ألّا يقاطعني أحد و أنا أقرأ. ذلك حتى جاء محمد. محمد يلبس ثوباً طويلاً (“كندورة” للملمّين بالمفردة) ووجهه لا يتوقف عن الابتسام البريء إلا للتكلم؛ و حتى هذه قابلة للخرق. لا أعرف عمره و بالطبع لم أسأل، لكنه بالتأكيد رأى عَلَم الخمسين منذ فترة. يَمَنِيٌ و ملامحه تفضح ذلك، لكني لم أتأكد إلا عندما سألته و أخبرني. عندما قابلته أول مرة جاء ليجلس بمحاذاتي، بمشيته الوئيدة التي تجعلك تعتقد أن شئً ما يشغل باله كاملاً، أو لولا ابتسامته، كأنما حصلت له مصيبة للتو، فهو يبدو مصعوقاً أيضاً، و باستمرار؛ ربما فصيل نادر من المصائب المفجعة و الطريفة بالرغم من ذلك. يجب أن أوضح أن اليوم كان جميلاً. لا، “جميل” لا تكفي لوصفه. تخيلوا أجمل سماء صباحية ممكنة، صفحة من الزمرد الأزرق اللامع، تنساب ببحرها عصابة صغيرة من السحاب الصغير، كبير كفاية لأن تراه و صغير كفاية ليترك لزُرقة السماء النقية مجال الاستعراض، و الشمس ساطعة لكن صهدها بلا وجود أبداً، و أكبر دليل على ذلك النسيم الشهي في الهواء، ذلك الذي يلفح وجهك كالصفعة و يرقص التانجو مع شعيرات رأسك! آه! تخيلوا كل ذلك و جماله، ثم ضاعِفوه عدة مرات! فطبعاً كنت في أصفى مزاج عندما جلس بجانبي محمد، و أخذت أكلمه. سألته عن اسمه و قال محمد – فقط. قلت أحمد سمير و حييته، و ظللت أتساءل عن اسمه الأخير. سألني إن كنت طالباً و أجبته بالإيجاب، طالب جامعي أيضاً، و أشّرت ناحية مبنى الجامعة بابهام. قال لي أن ذلك جيد، و حثني أن أستمر في الدراسة طالما توفر التمويل و الفصة، طالما “حد بيدفعلك، خليك.” أعتقدت أني لمحت في وجهه نظرة أسى، أو ربما ندم، و في اللحظات التالية أخذت أفكر في المعنى المحتمل لهذا. كنت أشرب شاياً و آكل بسكويت، فقرّبت منه الكيس لأقدم له بعضه. من المهم أن أشير إلى أن البسكويت الذي بداخل العبوة، بطبيعة الحال، كان قِطَعاً مرصوصة جنباً إلى جنب. بعد بعض الإصرار مني قَبِل و مد يده للكيس في يدي. صعقت لِمَا حصل بعد ذلك. أمسك بالقطعة الأولى الخارجة من الكيس، و بدلاً من أن يشدها ليخرجها من الكيس، ضَغَطَ عليها كأنه يحاول كسرها لتحريرها من بقية البسكويت في العبوة؛ كأن البسكويت الذي بداخل العبوة قطعة صلبة واحدة، كلوح شيكولاتة. صدمت لبساطة هذا الرجل الذي يجهل هذا التفصيل الذي لا يذكر: البسكويت المباع هذه الأيام يقسم إلى قطع مسبقاً. كم تحتاج من التواضع، كم يلزمك من الزهد، لتجهل شيئاً كهذا؟ بعد يومها أصبحت أراه يومياً في نفس المكان و نفس الوقت.

بالرغم من بساطة، يتحدث عن السياسة بشكلٍ طاغٍ، و تراه يزعق و تحتد نبرته وهو يناقش أصدقاءه. أدركت أنه يأتي إلى هذا المقهى كل صباح، هو و أصدقاؤه الذين يشبهونه كثيراً، كأنهم عائلة واحدة، لكن واحدة لا يتشارك أفرادها إلا في الملامح الأساسية؛ بشرة بنية فاتحة، شعر أقرب للشيب من السواد، وجه باسم. أصواتهم و لكناتهم متماثلة لحد غريب، كأنهم يتحدثون جميعهم من حنجرة واحدة. (ترى هل يتشابه لهم صوتي و أصوات المصريين كلهم كما تتشابه أصواتهم لي؟ هل هي اللكنة؟ أم هل الحقيقة أن الوقت محى شخصيات أصواتهم و اختلافها، تاركاً فقط شبح صوت موحد؟ أليست أصوات المسنين كلها متشابهة؟)

يتحدثون كمن يزعق بلطف؛ تخرج الجمل كاملة كأنها بناء واحد، بلا مسافات بين الكلمات، كانفجارات صغيرة. استغربت أنهم يستطيعون فهم بعضهم البعض بهذه السرعة. اليوم جاء أحد أصدقاء محمد و جلس. بشرة داكنة تتخللها تجاعيد كثيرة؛ بعد فترة سيقول لي أنه قبل أن يتقاعد، لم يكن مقدماً في الجيش الإماراتي بل “أعلى شوية”. طَلَب كوباً من الشاي و مد لي يده مصافحاً و قال بصوت عالٍ سيظل يستعمله حتى أذهب عنه لاحقاً:

“أِزيّك؟”

هل كوني مصري واضح لهذة الدرجة؟

على أي حال بادلته التحية و أفسحت له المجال ليجلس. بدأ حديثه بالكلام مع محمد، بنفس تلك التفخيرات اللسانية التي عهدتها منهم. سأله: “العلوم؟ الأخبار؟” (و لمن لا يعرف، الكلام مرادفات في اللهجة الخليجية.) و ظل يكرر استعلامه عن العلوم و الأخبار كأن طرح السؤال غايةٌ في حد ذاتها. عندما كانا قد كررا السؤال ما يقارب السبع مرات، تحدثا عن الأخبار – الحرفيّة. “مصر أم الدنيا والله!” صَرّح الأعلى-شوية-من-مقدم (لكني لم أكن أعرف ذلك بعد) و سألني: “بكره الاستفتاء، صح؟ شو رايك فيه السيسي؟” لم ينتظر أن أقول رأيي (ولربما كان ذلك جيداً لأني كتن سأقول أني لست منبهراً كأغلبية الناس) و قال: “شكله راجل كويس. ممتاز والله.” طبعاً كان يُقلد لكنتي ترحيباً بي، أو ربما اللكنة المصرية هكذا، تنطبع على غير المصريين عندما يتواجد مصري بالقرب. أضاف محمد: “زي عبد الناصر و الله.”

“عبد الناصر!” صاح التقريباً-مقدم. “حررنا أيام الإنجليز والله. بَعَت رجال كثير لليمن. أنا أصلي من اليمن-” قالها لي، مؤشراً باصبعه لمحمد كأنه التمثيل الحي للدولة. “في الجنوب و في الشمال. ضباط كبار راحوا. أيامها عدن كانت التجارة كلها.” أومئ محمد متفقاً، و أمسك بيدي ليستحوذ على انتباهي و قال: “تشوف دبي؟ عدن كانت أكبر، كانت التجارة كلها! لكن الجيوش راحوا الشمال بس.” ثم أخذا يتشاجران حول ما إذا كان عبد الناصر أرسل بالفعل جنوداً لجنوب اليمن “أيام الحرب مع الإنجليز” و أنا أؤمن على كل ما يقولونه كالأبله المُصدق أو كمن وجد – كأنما بفعل معجزة – أفكاره تُقرأ نَصأً على لسان آخرين؛ و كل فترة و فترة أدون ملاحظات لأكتبها الآن، هنا. ظلّا على هذا الحال حتى قاطعتهما.

“متعرّفتش على اسمك؟” قلت أنا.

“والله كتير. بو صلاح.” توقف لحظة و قال: “و بو فتحي… أنا عندي صلاح و محمد و خالد و فتحي. و بنات بقى، أووه… جيش عندي. فتحي الكبير و ينادوني بالكبير.”

ثم استأنفا نقاشهما، و تطرقا ليهود اليمن، و أنهم – على حد تعبيره – طردوهم بعدالحرب. “أوووه… بنات اليهود. ياما ركبناهم. تاخذها في السيارة و تروح بعيد و-” قالها و بدا كأنه يلاحظ لأول مرة أني موجود، و قال لي محمد ضاحكاً: “ترى الشيبة كان ابن حرام!” ثم ضحكا ملئ أشداقهما المترهلة. و ضحكت أنا أيضاً، بشئ من الاستغراب و الكثير من الدهشة للطريقة الذي احتواني بها هذان الصديقان؛ كانا يشركانني في الحديث و بقية الوقت كانا يتحدثان من خلالي، و طيلة الوقت لم أمثل أي عائق على الإطلاق. ثم أكمل بو صلاح و فتحي و خالد و محمد و البنات: “البنت منهم كنت تشوفها… ما تقول يمنية ولا يهودية. تقول ملكة جمال. بس راحت هال الأيام.”

سألته: “كنتوا عايشين معاهم يعني؟”

“طبعاً،” قال بو صلاح، مشدداً على كل حرف من الكلمة لتسجيل شغفه. “عايشين في بيوتهم و آكلين أكلهم و آكلين أكلنا. و كنت تعرفهم بالشعر المصفف و نازل هنا-” و أشار لجانبي الوجه، مروراً بالسوالف. فهمت قصده بسرعة. بعدها أخذ بو صلاح يسرد نكاتاً أبطالها دماريون (أي من منطقة تسمى دمار، و قال لي بو صلاح أنها مسقط رأس الشيخ زايد) و كنت أتظاهر بالضحك معهم، إما لأني لم أفهم أو لأنه لم يكن في النكتة ما يُضحك. نظرت للساعة؛ ساعتان حتى امتحاني.

“معلِش يا جماعة،” قلت لهم، مصافحاً و منطلقاً للذهاب.

“ماعرفتش تذاكر أنت اليوم منّا؟” سأل بو صلاح ناظراً للكتاب في يدي.

“معرفتش بقى. يللا مش مشكلة. فرصة سعيدة.” ضحكت و رحت ذاهباً متأبطاً كتابي.

كنت أحمل رواية.

Advertisements

2 comments

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s