يوم آخر

اليوم يوم آخر. سيارة تجثم واقفة و يهدأ صريخ مكابحها. تأن منتحبة. تقف في الوقت المناسب. يعيش الولد. بعد بضعة دقائق يتبدد خوفه. يحكي لأمه مغامرة يومه. تصفعه على وجهه. يدوي الألم في أذنه. يبكي. دموع ألقة. تتساقط القطرات المالحة فترطب قاع صحنها الجاف. لم يلمس سطح الطبق الفخاري غيرها منذ أيام. قريباً تنفذ الدموع أيضاً فيصبح فارغاً بالكامل. ربما تأتي قاطرة أخرى غداً. ربما بعد غد. ربما آكل. أمل. هل تنجح الخطة؟ يكتب لها كل شئ. تمتلئ الورقة المسطرة في دقائق. يسطر بإنتظام، كأنما يكتب باعتدال دقات قلبه. يحبس انفاسه المتلهفة في حروف. يقول، “لابد أن أعترف. أحبك.” يتخيلها متفاجئة، تقرأ رسالته بعين دامعة. “أحبك كأنما أقحمت شمس في صدري. نعم، شمس. تدور و تدور. متفجرة. لاهبة. عظيمة. تبتلع كل ما حولها و كل ما يتجرأ على عصيانها. أنا…” تتصنم يده. يتنهد. يثور. يكور الورقة و يرميها بعيداً. تقع مكرمشة بجانب الأخريات. أو أينما وقعوا على كل حال. خيبة أمل. يدلف البيت مترقباً. يتباطأ خشية ألا يجد مراده. يرجو أن يجده بالداخل. يجد الأنوار مضاءة. ربما هو هنا. ربما لم يذهب. لكن البيت خاو. خرج إذن. يقضي ليلة أخرى وحيداً. يتساءل متى نسي محمد أنه ما زال حياً. أو متى فقد الإهتمام. لا مبالاة. الإحساس فطري. لا تدور بخاطره أفكار. لا نحركه مبررات، و بالرغم من ذلك عزيمته صلبة. يزجر العامل البائس. يشتمه. يكاد يضربه. أصدقاء ضاحكون. موافقة باسمة. يكاد يرتجف العامل. خوف. القاعة واجمة. الصمت يخنق الهواء كالضباب اللزج. يستلم ورقته من رجل لا يأبه بشئ و لا يفهم قلقه. الورقة ما زالت دافئة من حرارة المطبعة. لا ينتظر حتى يفتحها. يكاد يقتلع الورقة الأولى. يشعر بالغصة تنحل في صدره و تذوب. يعرف كل الأجوبة. سعادة. تعمد أن يبكر ليشاهد الشروق. يقف عالياً فوق سطح المبنى. تنسدل خيوط الليل برفق. يراها. تتثاءب صاعدة ببطئ في المحيط الحبري القاتم. تلتمع في الأفق كوحش أسطوري، و لربما أعتبرت كذلك في وقت ما. فمه فارج و جسده مخدر. يصب فنجان القهوة و يشغل الموسيقى. فجأة يتلاشى مقته لحياة المدينة. تنساب الأنغام إلى أسفل كأوراق الشجر المتساقطة. يجلس صامتاً يتأملها تصحو. و تغرب، و هي تضم أبنها لصدرها فلا يحتاج للأسف، لكنها تسهب الإعتذار من أجل صفعتها على كل حال. و تصعد إلى أوج فلكها، و تستلقي الفتاة جائعة خشية حرقتها. يراها عند باب المدخل، يتحدثان قليلاً، و في نسيم الصباح الهادئ يتركها على باب العمارة، و يمر يوم آخر و لا يبوح لها بشئ. تغيب، و يقرر ألا يتعشى حتى يرجع محمد، ولا يأكل شيئاً حتى صباح اليوم التالي. ينام هنيئاً بعد ليلة أفناها مع أصدقائه. يرقص  و يغني تحت بساط أشعتها مع حبيبته خارج قاعة الامتحان، و يحمر وجهها خجلاً  من نظرات المارة و لكنه لا يأبه. يغفو على كرسيه ليفيق فزعاً على سطح العمارة، و يتساءل ذاعراً عما أتى به هنا حتى تقع عينه على الفنجان النصف ممتلئ و يتذكر. تشهد كل هذا من مقعدها العالي. و غداً تعيد الكرة، فتقذف بنورها إلينا و ترمي ببصرها للبعيد و تشاهدنا. وغداً يوم آخر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s