Month: October 2013

صور مبعثرة على الأرض

لطالما حالف الحظ الحمقى منّا. حتماً الأحمق وحده يحالفه الحظ هكذا…

فتح الشباك على مصراعيه و جلس ساكناً. لماذا بدت له النسائم الدخيلة أعذب من قبل؟ تسترق في خجل إلى داخل الغرفة الصغيرة، في دفعات متقطة، كأنها مترددة في الدخول و لكنها مجبرة بعهدها الطبيعي. تماماً هي كسعاداتنا: قصيرة، نرحب بها دائما، تلفح أوجهنا كالصفعة اللذيذة المتمردة، تمرّ بداخلنا كالشفاء ذاته. عندما كانا صغاراً تملأهما نضرة الشباب، أمسك بيديها و قال لها: “أتدرين متى نموت؟” أجابته بهزّة من رأسها مفادها أنها لا تعرف؛ اجابة ذكية من متلاعبة محترفة في التعاطف، فقد لاحظت فيه منذ فترة تلك النزعة، تلك العادة – يسألها أسئلة مبهبة و تتظاهر هي بالجهل التام، سامحة له أن يتفوّه بالخاطرة التي ربما جالت بخاطره للتو. يجيبها هو بأدهى ما يستطيع تأليفه. أحياناً تتظاهر بالتفاجئ لتلك الحكمة، تلك الحنكة المبكرة التي تضعه في صفوف المفكرين المحنّكين بلا شك. و أحياناً يفاجئها فعلاً، فتتوسع عيناها و يهرب منهما بريق ألق أبيض، تكاد لا تراه أبداً و إن رأيته أختفى في اللحظة ذاتها، لتقسم أنك رأيته، رأيته فعلاً، و تقتصر أدلّتك على وجوده في طبعته على ذاكرتك. نظر إليها بتمعن كمن يُعِدُّ لإستعراض ما، و قال و البحة تفتك من صوته: “نموت لأننا ننسى أن الحياة مِلك لنا، و لسنا نحن مِلكاً لها.” تفكر قليلاً فيما قاله، متذوقاً رنينه بعدما أطلقه من أسر الذهن إلى حرية الفضاء القابع بينهما، نطاق المسموع و الملموس، ثم أضاف: “أو على الأقل، نقترب من كوننا أمواتاً إلى حد لا يجعل هناك فرق.”

صمت أحسّ فيه بوطأة ما قاله. هل رأى عينيها تتألق أم لم يفعل؟ لم يعرف. عتمة الليل لزجة و لا يكاد المصباح الصغير الذي أتوا به إلى هنا على سبيل الرومانسية يقسم الظلام. انحنى ليقبل يديها فشدّت رأسه لأعلى. قبّلت جبينه خلسة، كأمها تسرق من جاده الفرحة. ولكنها لم تكن سرقة، فأي سرقة مستحيلة هذه التي تأخذ و تعوِّض ما أخذته في الآن ذاته؟

دوَّت الأصوات في الميادين و الشوارع، فأصبحت كأنها ممثل آخر في هذا الاستعراض، هذه المسرحية التي شارك بإحيائها البلد بأكمله. في ظهوره الأول منذ يعلم الله متى، على خشبة مسرح (الميادين و الأزقّة و القرى جميعها)، للمرة الأولى في دور المتمرد المنفلت، يعود إليكم… صوت الشعب! عندما كان طالباً قال له بروفيسور مادة الصحافة، الذي كان يحبه لنباهته أثناء المحاضرات و سرعة فطرته (ما أسماه هو “الفطرة الصحفية”) أن الأحداث المهمة تصنعها الشخصيات المهمة. دائماً؟ سَأَل أستاذه. دائماً، أجابه الخمسيني بتيقن. كانت تلك أيام حكومة الممدنيين؛ بعد بضع سنين، سيذكروها و ينعتوها بالطاغية المستبدة، تعتيم إعلامي واسع و المسموح فقط هو المادة المعقّمة، المضمون الذي طُهِّر من كل أفكار التمرد أو الثورة، كل شئ يناقض الإنصياع التام – و حتى المحبب للنفس – غير مقبول و يعاقب عليه أشد الآيات – فإما المازوشية أو الإبادة. لم يتشكك فيما قيل له، إذ بدى له التصريح كالحقيقة المسلّم بها: الأخبار تُصنع من الأحداث المهمّة، فهم من يمنحون بعضاً من أهميتهم للخبر أياً كان. ولكن ماذا عن الشعوب؟ ماذا عن ثوراتها و انتفاضاها؟ بالتأكيد تعتبر هذه أخباراً أيضاً. ولكن من الشخصية المهمة هنا؟ تَعَلَّمَ بعدما تخرّج ما لم يوضحه له أستاذه – ربما لأنه لم يعرف، ربما لأنه خشي أن يطأ الخطوط الحمراء – و جاءت المعرفة الجديدة ممزوجة بنشوة المقاومة، معلنة من الأسطح و ملقاة من النوافذ، مرددة من أفواه الملايين المحتشدة كالكيان الواحد: في بعض الأحيان، يرتفع مقام الشعوب، فترتقي مرتبة البسيط و الفقير و اللاشئ، يصعدون معاً إلى تلك المكانة التي تخصص في الأحوال العاديّة لتلك الشخصيات المشهورة، فيصنعون الخبر بزئير وحدتهم، تمرداً على رتابة حيواتهم و لااستثنائيتهم الخانقة.

جاءت الثورة و راحت، أو أدعى الكثيرون ذلك، الأمر الذي مكَّن الإنقلابيين من قبض السلطة. أعتقد الجميع أن كون الضباط و الجنود أقرب صلة للشعب من مدنيي الحكومة البائدة سيعود بالنفع عليهم، و لكنهم سرعان ما أنتشوا من نبيذ السلطة كمن سبقوهم. أكبر خطايا الثوريين لأنهم أيضاً ينتشون من نفس الكأس، يستسلموت لنفس السكرة، فيتناسون تدابير ما بعد الثورة ريثما تتلاشى أغبار الحراك الشعبي و تتبدد صرخات المعذَبين. و لولا غفلة الثوار عن المستقبل لما أضطروا لتسليم حاضرهم لطغاة جدد، تعلو رؤوسهم القبعات الرسمية و يملئ كلامهم عنف العسكر. تزوجا و مر على زواجهما عامان، و على استلام الإنقلابيين السلطة أربعة.

أعتصره اليأس أياماً طويلة. حزن لا حروف له ولا مجادلة معه ولا التماس لعفوه، فقط ذلك اللاشئ الذي يلتهم كل شئ. دفنها يومها. يلوم نفسه ألف مرة في أن وافقها أن يذهبا للإعتصام. هي رصاصة طائشة واحدة، قطعة معدن يكاد يجنّ من بساطتها و فتكها، شلّتها ووقعت أرضاً متأوهة من الألم. أنفجر رذاذ من فمها، مشؤوب بدم فاقع اللون. ليس للموت صوت ولا لوقعته، ولكن لما يسبقه صوت ككل شئ، فيأتي الموت ليقطع صراخ الأحباء، صاعقاً ابتهالات الرجاء و عدم التصديق في لحظته، لحظة ينفرد بالمسرح، و هنا يحتَّم حتى على صوت الشعب، بكل عنفه و قوته و لغطه، أن يخلي الساحة لهذا القديم، هذا المحترف، الذي وُلِدَ مع أولى من خَطَى بقدمه أرض هذا العالم: الحب و الحياة. ماتت بسرعة، ميتة لا تليق بها أو بأي أحد، لكنه قيض أن تكون العدالة أصغر أخوة الحب و الحياة و الموت. بعد أيام قضاها بين كفوف الجنون و اليأس، رافضاً فكرة الانتحار فقط عندما يفيض بداخله غليل الثأر.

لم يأته الحل كوميض برّاق أو في شكل لمبة تتقد فوق رأسه. أحضر ورقة و ألصق في منتصفها صورة لها، و الدموع تنزلق فارّةً من عينيه و تبلل الورقة التي يعمل عليها. هذه الصورة. ما أجملها. كانا قد أشتريا واحدة من تلك الكاميرات الفورية، البولارويد، التي تُطّبَعُ صورُها على مربع من ورق الصور في ثوانٍ. “لطالما أردت واحدة،” قالت و هو يفتح العلبة و يخرج الكاميرا لأول مرة. لاحظ أنها جاءت مزودة ، و ما إن ضغط زر التشغيل كان قد التقط صورة. فاجأها الوميض و صوت البؤرة الكلاسيكي، فضحكت. “هاتها!” هتفت هي، و لكنه أنهمك في تصويرها، مصوباً العدسة نحوها و مناوراً كي لا تختطف الكاميرا منه، بينما غطَّت هي وجهها خلف يديها. كانت الكاميرا تبصق الصور خارج فوهتها، فتناثرت كلها على الأرض. “حسناً، الآن أنتهيت،” قال هو، مسلِّماً الكاميرا لها. ألتقطتها منه و الخبث الطفولي مازال يكسو عينيها. بعد لحظات سألها، “ألن تسأليني ما الذي أنتهيت منه؟”

“لا،” قالت هي. “لا أريد.”

“لكنه شئ مهم…”

“لا يهمني.” لولا يقينه بأنها تمازحه لصدّقها.

جثما معاً على الأرض يتفحصون الصور المتناثرة. بدأ يجمع الصور و يكومها بالقرب منه و بدا كأنه يبحث فيهم عن شئ. أخيراً قال و هو يثب لأعلى، “يوريكا!” كانت صورة لها مبتسمة، تتخفى وراء يديها، تحاول خطف شئ منه. اختارها لأنها كانت أوضح الصور و أجملها.

“ماذا وجدت يا عبقري؟”

“لن أقول لك. ألم تقولي أنك لا تهتمين؟”

“طيّب.”

“طيّب و نصف.”

ثم أخذ قلماً و كتب على ظهر الصورة الفارغ: “المشاهدة: الجمال ذاته. المكان: صالة شقة في المدينة. الوقت و التاريخ: اليوم السابع و السبعين، (ما بعد الزواج). الشاهد: مصطفى أحمد إسكندر.”

 عندما أنتهى من لصق الصورة خطّ تحتها التعليق الوحيد الذي أستطاع أن يفكر فيه. “نموت لأننا ننسى أن الحياة مِلك لنا. عندما تذكرت أن حياتها ملك لها، ماتت. فمن المذنب هنا؟” أخذ الورقة بتعليقها المكتوب بخط متعرج خائف و نسخها. أخذ النسخ العشرة التي طبعت بالأبيض و الأسود و نزل إلى الشوارع التي جرفها صمت ما بعد ردع العاصفة. علّقها في مواقع لم يخطط لها و لم يكلّف نفسه تعب انتقائها. بعدها رجع إلى الشقة، فتح النوافذ، و جلس منتظراً. ما ألذي ينتظره؟ أن تقوم ثورة إثر بادرته؟ أن يثأر له الشعب بأكمله؟ أن تصحو إرادة الناس من رنين كلماته؟ حتماً الأحمق وحده يعتقد ذلك. حتماً الأحمق وحده…

وفاءً بعهدهم، لم يتأخر ذئاب الحكومة عن تتبع مصدر الأوراق المعلقة، و لم يخيب المخبرون ظن رؤسائهم فيهم، فزودوهم بتفاصيل اقتفائهم أثر المتمرد، حتى أتوا. جاءوه في بذل سوداء صارمة. بعد أن أنتهوا منه أخذوه بعيداً مكوّماً لا يكاد يشعر بالذي حوله و الدم الساخن يضرج ثيابه. “هل وجدتم شئً هنا؟” سأل أكبرهم رتبة الآخرين و هو ينسحب خارجاً من الشقة.

“لاشئ غير تلك الكاميرا” قال أصغرهم، شاب وسيم يكاد الرعب يتمكن من ملامحه لولا مجاهدته ليبدو غير آبه. كان قد دسّ الورقة الأصل التي صنعها مصطفى في جيبه، مثنيةً بالعرض حول أطراف الصورة الصلبة كي لا تتأثر الصورة. أومأ رئيسه أي حسناً و أستدار مبتعداً. لن يعيش مصطفى أطول من أربعة أيام، و سيحدث موته في زنزانة مظلمة من سراديب الاستجواب العَطِنَة. كان هذا كله جزءاً من خطة أكبر، خطة أخ الحب الأصغر، خطة ستستوفي إلى أن يرى أكثر العالم هذه الورقة، و هذه الصورة الجميلة، و هذا التعليق المرتعش. ولكن هذا استباق للأوان، و الآن يرتجف الظابط الصغير من فعلته، يمشي بلا وجهة متفكراً في ما شهده من تعنيف أليم.

“حتماً الأحمق وحده يفعل هذا،” قال الظابط الصغير لنفسه، لاعناً اللحظة التي استبدت به و جعلته يأخذ الورقة خلسة. “و لكن يجب أن يرى العالم هذه الورقة، هذه الصورة، هذه الـ…” أنتشله صوت هاتفه من غيمة أفكاره. كانت حبيبته تطمئن عليه. صوتها الحنون أكد له ضرورة ما فعل، و سمو غايته. لكن ذلك لم يمنع أن يستمر في تأنيب نفسه.

“نعم، حتماً الأحمق وحده يفعل هذا…”

Advertisements

يوم آخر

اليوم يوم آخر. سيارة تجثم واقفة و يهدأ صريخ مكابحها. تأن منتحبة. تقف في الوقت المناسب. يعيش الولد. بعد بضعة دقائق يتبدد خوفه. يحكي لأمه مغامرة يومه. تصفعه على وجهه. يدوي الألم في أذنه. يبكي. دموع ألقة. تتساقط القطرات المالحة فترطب قاع صحنها الجاف. لم يلمس سطح الطبق الفخاري غيرها منذ أيام. قريباً تنفذ الدموع أيضاً فيصبح فارغاً بالكامل. ربما تأتي قاطرة أخرى غداً. ربما بعد غد. ربما آكل. أمل. هل تنجح الخطة؟ يكتب لها كل شئ. تمتلئ الورقة المسطرة في دقائق. يسطر بإنتظام، كأنما يكتب باعتدال دقات قلبه. يحبس انفاسه المتلهفة في حروف. يقول، “لابد أن أعترف. أحبك.” يتخيلها متفاجئة، تقرأ رسالته بعين دامعة. “أحبك كأنما أقحمت شمس في صدري. نعم، شمس. تدور و تدور. متفجرة. لاهبة. عظيمة. تبتلع كل ما حولها و كل ما يتجرأ على عصيانها. أنا…” تتصنم يده. يتنهد. يثور. يكور الورقة و يرميها بعيداً. تقع مكرمشة بجانب الأخريات. أو أينما وقعوا على كل حال. خيبة أمل. يدلف البيت مترقباً. يتباطأ خشية ألا يجد مراده. يرجو أن يجده بالداخل. يجد الأنوار مضاءة. ربما هو هنا. ربما لم يذهب. لكن البيت خاو. خرج إذن. يقضي ليلة أخرى وحيداً. يتساءل متى نسي محمد أنه ما زال حياً. أو متى فقد الإهتمام. لا مبالاة. الإحساس فطري. لا تدور بخاطره أفكار. لا نحركه مبررات، و بالرغم من ذلك عزيمته صلبة. يزجر العامل البائس. يشتمه. يكاد يضربه. أصدقاء ضاحكون. موافقة باسمة. يكاد يرتجف العامل. خوف. القاعة واجمة. الصمت يخنق الهواء كالضباب اللزج. يستلم ورقته من رجل لا يأبه بشئ و لا يفهم قلقه. الورقة ما زالت دافئة من حرارة المطبعة. لا ينتظر حتى يفتحها. يكاد يقتلع الورقة الأولى. يشعر بالغصة تنحل في صدره و تذوب. يعرف كل الأجوبة. سعادة. تعمد أن يبكر ليشاهد الشروق. يقف عالياً فوق سطح المبنى. تنسدل خيوط الليل برفق. يراها. تتثاءب صاعدة ببطئ في المحيط الحبري القاتم. تلتمع في الأفق كوحش أسطوري، و لربما أعتبرت كذلك في وقت ما. فمه فارج و جسده مخدر. يصب فنجان القهوة و يشغل الموسيقى. فجأة يتلاشى مقته لحياة المدينة. تنساب الأنغام إلى أسفل كأوراق الشجر المتساقطة. يجلس صامتاً يتأملها تصحو. و تغرب، و هي تضم أبنها لصدرها فلا يحتاج للأسف، لكنها تسهب الإعتذار من أجل صفعتها على كل حال. و تصعد إلى أوج فلكها، و تستلقي الفتاة جائعة خشية حرقتها. يراها عند باب المدخل، يتحدثان قليلاً، و في نسيم الصباح الهادئ يتركها على باب العمارة، و يمر يوم آخر و لا يبوح لها بشئ. تغيب، و يقرر ألا يتعشى حتى يرجع محمد، ولا يأكل شيئاً حتى صباح اليوم التالي. ينام هنيئاً بعد ليلة أفناها مع أصدقائه. يرقص  و يغني تحت بساط أشعتها مع حبيبته خارج قاعة الامتحان، و يحمر وجهها خجلاً  من نظرات المارة و لكنه لا يأبه. يغفو على كرسيه ليفيق فزعاً على سطح العمارة، و يتساءل ذاعراً عما أتى به هنا حتى تقع عينه على الفنجان النصف ممتلئ و يتذكر. تشهد كل هذا من مقعدها العالي. و غداً تعيد الكرة، فتقذف بنورها إلينا و ترمي ببصرها للبعيد و تشاهدنا. وغداً يوم آخر