عن استيائي، العنصرية الطبيعية، و الغرور الثقافي

رَوَت لي أمي منذ فترة قصة تألمت كثيراً لسماعها. قالتها بأقتضاب و تعمدت ألا تلتقي نظرتها بنظرتي، كمن ما زال يتبرم لأستحضار ذكرى ما، ولكنها أصرت أن تحكيها، ربما لأنها كانت قد تذكرتها للتو و لم تستطع منع نفسها. حكت لي عن رحلة العمرة التي قامت بها هي و أبي (أقول “هي و أبي” رغم ذهابي معهم أنا و أختي، و لكني كنت أصغر من أن أتذكر شيئاً، و بالتالي الرحلة لا تمثل لي أكثر من بعض الصور الباهتة الناقصة في مذكرتي)، و أنه أثناء طوافها حول الكعبة، رجل هناك ضربها على رأسها بعصى خشبية لأعتراضه على ظهور بعض شعرها.

أسمح لي، عزيزي القارئ، أن أكرر: رجل غريب تماماً، من صفوف هؤلاء المعروفين بلجنة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، تراءت له أنه من المقبول تماماً، الواجب عليه حتى، أن يتناول العصى التي يحملها في يده و أن يضرب بها أمي على رأسها، فقط لظهور بعض من شعرها من تحت غطائه. طبعاً صعقت لسماع هذا، و من أنفعالي قلت لنفسي: هذا رجل توصيف عمله، نتاج وجوده الوحيد، هو أن أمقت كيانه نفسه. شعرت بالدم يغلي في عروقي، أو على الأقل فهمت معنى ذلك التعبير، و تمنيت أن أجده أمامي، ذلك اللا شئ الملتحي حتماً، المقيت الحقير المتعالي تعاليه الخاوي الواهي، المدعوم بلا شئ على الإطلاق، كي يتسنى لي أن آمره ببعض من (معروفي) أنا، كي أستطيع أن أجعل أنتقامي لأمي سريعاً و مماثلاً، و مضاعفاً قدراً معبراً عن ذلك الشعور الذي أكتسحني … استيائي الذي تملكني. نعم، كان ذلك هو، كان شعوري الأستياء، و إن كان مشئوباً الآن بغضب زائل، جم و متفجر، أعظم من أن أشفيه بالشتيمة وحدها. تخيل أن تعرف أن غريباً عنَّف أمرأة بريئة، ثم تخيل أنها أمك، ثم تخيل أنك كنت طفلاً حينها لا يستطيع فعل شئ، ناهيك طبعاً عن حماية أمه، ثم تخيل مرارة ألا تتذكر الحادثة أصلاً. ربما أُسهِب في تحقير الرجل لكن ليس من فراغ. وأنتقامي الوحيد هو الكلمة الكلمة الصادقة، المتبرمة، المتمردة، المدوية رغم تقطرها بالدموع. الكلمة المستاءة.

كانت هذه ردة فعلي الأولى، و بعدما هدأت بدأت أشكك في القصة بموضوعية، كما هي عادتي، لإستئصال أي مبالغة أو مزايدة. شككت في حقيقة أن الضربة كانت كما وصفتها أمي، أنها آلمتها القدر الذي زعمته، في غلاظة العصى، و حتى في حجم الشعر الذي كان مكشوفاً تحت (الطرحة). و في النهاية وجدت أنه حتى مع كل هذه التنقيصات، لم تكن فعلة ذلك الرجل أقل وطأة، و لم يقل غضبي ولو قيد أنملة تافهة. و أستمر الأستياء أيضاً، و أي ملاذ لي غيره؟ ليس هنالك، فقط هي ثنايا الأستياء الدافئة أنغمس فيها، ليتبدد القليل فقط من لطمة القصة عندما أقنع نفسي بأن الشر دائم الوجود، و أنا أمي—و أنا بعد معرفتي بما حصل—هي الضحية، و في كون المرء ضحية التبرير اللازم ليبرأ الجرح المتدفق. أن تكون ضحية صادقة أفضل من التزام دور الظالم الحقير.

و على ذكر الظلم تستحضرني شكوى كثيراً ما يكررها العرب (و أنا منهم) عن الغرب و عنصريته ضد العرب و المسلمين تحديداً. و هناك عنصرية بلا شك في الغرب، كما توجد في كل مكان، و لكني لن أتطرق لها، و ليس فقط لقلة معرفتي (لم أطأ أرضاً غربية في حياتي و الأستناد الى حديث الناس و مُخْرَج الإعلام غير كافٍّ حتماً)، و لكن أيضاً لعدم أهتمامي الآن. ما أهتم به الآن هو نوع آخر من العنصرية، نوع أكن له نوعاً خاصاً من الكراهية و النبذ، لأسباب تشمل و لا تقتصر أبداً على مشاهدتي له يومياً، من عرب. أقول”عرب” و ليس “العرب” لأن التعبير سيٍّد، و لا يسعني (دون أن أكذب) أن أقول أن هذه العنصرية سائدة تماماً. و لكنها تعتلي المرتبة الأقل من ذلك بقليل، متفشية بشراسة، و الطريف (أي غير الطريف بالمرة) أنها تنبع من ذات العرب الذين يشكون تعنت الغرب إزاءهم و ثقافتهم، يكونون في أوج شغف الحديث و هم يقولون هذا، ثم يستديرون ليوبخوا العامل (الهندي) أو (الآسيوي)، كما يسمون في الغالب، حتى أصبحت كلمة “هندي” إهانة أكثر منها وصف لعرق، و الكل يعرفون هذا و الكثير جداً يمارسونه—لا أبالغ عندما أقول أن يوماً لا يمر (إلا ما ندر) إلا و أسمع فيه أبتهالة مطولة مبدعة، أو ملاحظة مقتضبة لاذعة، عن مدى غباء الهندي (و هنا تستخدم الكلمة تعميماً، عن الباكستاني و البنغالي و السنغالي و السريلانكي و الهندي فعلاً)، أو أقتقاره لأبسط المهارات التي تتوفر طبعاً في نظيره العربي (إلا إذا قرر المسترسل أنه أيضاً مصاب بذات العقم و القصور)، أو نده الغربي الذي ليس نداً على الإطلاق، ففرص هذا الغربي في تلقي الأستحسان أكبر بكثير. أصبحت الكلمة تشتمل كل ما تحمل الشتائم من معاني كارهة، بنفس الطريقة التي كانت كلمة (يهودي) محملة بالكراهية في ألمانيا النازية، و كما كانت (رأسمالي) تدعو للإشمئزاز في الأتحاد السوفيتيي، أو (بروتستانتي) أيام كانت الكنيسة الكاثوليكية تعاقبهم بالحرق حتى الموت جزاءً لهرطقتهم. طبعاً لا يحرق الهندي هنا حتى الموت، إلا في حالات عمال البناء الذين يعملون لقاء الفتات في حرقة الشمس الصحراوية، و هنا يمكننا جرُّ خط من التماثل. إذا حصل لك موقف و أخطأ (هندي) بحقك—خطأ حقيقياً أو غير ذلك)—يقول لك أصدقاؤك “هندي!” كأنما في الكلمة المبرر الكافي عن الشنيعة التي أغمدت براثنها  في جسدك البريء.

في الصف السابع، عندما كانت تقلني أم أحد أصقائي من المدرسة، أستطردت من حديثها العابر الطيب كي تهتف أحتجاجاً على الهنود الذين تراهم على الطريق يقودون سيارات دفع رباعي غالية، و أستنكرت محض وجودهم هنا، فبالطبع هي الأحق بهذه النعم. هي عربية. لم تقل هذا خاجلة و لم ترى في أعتراضها أي خطأً، إنما توقعت مني التأييد و الموافقة.

منذ بضعة أشهر كنت على الحافلة من الجامعة لبيتي في المدينة، و عندما توقفت الحافلة بعد أنقضاء ثلثي الرحلة لتتزود بالوقود، نزل الرجل الذي كان جالساً بجانبي و قصد المحل الصغير. رجع و معه كيس بلاستيكي أخرج منه علبتى عصير باردتين و زجاجة ماء، و أعطاني واحدة. “متأسف جداً” قال هو بلهجة شامية، “لم اسأل عما تريد قبل أن أنزل. هل العصير جيد؟” شكرته و رفضت و لكنه أصر قائلاً، “و لكني أبتعه بالفعل.” فأخذتها منه و شكرته مجدداً. بعد فترة دفعني الضجر و تساءلت عابراً عن المدة المتبقية، فقال الرجل ناظراً لساعته، “أعرف أغرف، لقد أطلنا فعلاً. هذا السائق هندي غبي. لا يقود بسرعة. هناك سائق مصري أفضل منه، يقود بسرعة.” لم أتكلم بعدها.

لقد وصلت شريحة المجتمع العنصرية أقصى مراتب الإنحطاط، أصابه الداء الأسوأ: أن تصبح العنصرية عادية، طبيعية، مبتذلة و رتيبة حد الأندماج الكامل، تدرج في فعاليات الأيام كالنوم و الأكل. يلزم المرء نوعاً من السذاجة الفاضحة الطفولية، فصيلاً من الغرور الثقافي، ليصل لهذه المرحلة. أقول هذا كمن أقترف هذه الأخطاء مثلهم، فعندما أستنكرت أم صديقي وافقتها، و كم أستخدمت أنا كلمة “هندي” قاصداً معنى لا يمت للأصلي بصلة. لكني نضجت و توضحت لي قباحة هذا السلوك، و أعُد نفسي محظوظاً أن تحقق هذا التحول منذ فترة. عندما كنت في المدرسة لم أستغرب للأنفصال الواضح بين الطلاب العرب و (الهنود)، في الفصول و الأروقة و الساحة، و الآن لا أستغرب لصداقتي مع كثير منهم في حين أنفر من عرب كثيرين يرفضون حتى الفكرة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s