عن الأستاذ علي و التلوث اللغوي، وانعدام العلاقة بينهما

شهدت طيلة حياتي المدرسية حالة واحدة فقط لموت مدرس.

لن أقترف شنيعة أن أبالغ في قدر علاقتنا أنا و هو، ليس فقط لرغبتي في الكتابة بصدق، و لكن أيضاً لأمتعاضي الى ذلك التحايل الذي يتقرب به الكثيرون للموتى بعد مماتهم، فيصبح في لمح البصر الفقيد “صديق عزيز” في حين أن الزاعم كان بالكاد يعرفه، و بنفس الخديعة يصبح الفقيد “أخي و الله!” و “عِشرة سنين أنا و هو”. و الطريف هو أن كثيراً ما يتردد الذين كانت تربطهم صلة قرابة حقيقية بالميت عن نقاش تلك التفاصيل التي حتماً يؤرقهم ذكرها و تذكرها، فضلاً عن حسهم تجاه الموضوع بنوع من القداسة، تمنعهم من أبتذال الثمين بالتكرار السافر. و للبقية يمثل الموت لذة خبيثة، لذة الخطر، و تستدعي أدعاء المعرفة الحميمية على مسمع و مرأى واسع. يمنحون ذكرى الميت قرباناً لآلهة الوصولية الإجتماعية، و كثيراً ما ينالون مرادهم. على أي حال لا أنوي أنا الأحتذاء بمثلهم، و لذلك سأعترف في البداية أني لم أكن تلميذ الأستاذ علي، مدرس اللغة العربية، المُفضّل. مرة أخرى أقول هذا لسببين: الصدق بالطبع, و ثانياً لمعرفتي الشخصية (الحميمية) بتلميذه المفضل، و أخشى ثورته إذا سرقت منصبه، رغم حلمه و خلقه الجم. (“ياللا أيدك على الحلاوة ياض، عامل لك شغل نظيف أهو و مصيًّتك!”)

أيامها كنت—مخطئاً—أقدس الإنجليزية و أهمل العربية، و تبع ذلك أن لاحظ الأستاذ عي إهمالي الملحوظ و نصحني مراراً، مسلحاً في موعظته (الصادقة حتماً) بواحدة تلو الأخرى من جمل مدح فيها العربية و أدبها الثري بحماسة القارئ النهم و المدرس المحنك، فيذكر شعرية أعمال عباس العقاد و ليونة جمل يوسف إدريس و دهاء ملاحظات توفيق الحكيم. و بدا لي آنذاك، بغروري اليافع، أن معظم هذه التحذيرات ضالّة إن لم تكن خاطئة تماماً، فأهتممت بقراءتي الأنجليزية و أستقللت نظيرها العربي. بالطبع لا يجب أن أوضح أني كنت مخطئاً، و لكن إن لم أخطئ في صغري فمتى أفعل؟ علّق صديق لي (و كاتب شاب موهوب) أنه كان يهمل اللغات دون العربية، خشية منه أن “تلوث” اللغات الأخرى عربيته. فرحت كمن يتهلل لمعرفة أنه ليس وحيداً في خطأه و قلت له ما قاله ذكرني بنفسي، و لعل الفرق بيننا يدل على ميلان برجوازي من ناحيتي، نتيجة العيش في المدينة منذ الولادة، أو لعله شهادة على حال اللغة العربية المؤسف اليوم. قول هذا لا يرفع اللوم عني و لكن ببساطة يأطره، و السياق سيّد.

لم أتعظ و أستمر كتابي، كتاب اللغة العربية للصف العاشر، في التغيّب عن الحضور معي الى الحصص (التي أهملت حضورها هي الأخرى)، تحت ظروف غامضة طبعاً و خارجة تماماً عن سيطرتي الضئيلة العاجزة. أدى هذا في المحصلة إلى أعتباري—في نظر الأستاذ علي على الأقل—من الطلبة الميؤوس منهم. و لم لا؟ ألم أتصرف مثلهم؟ هؤلاء الذين يحيون لإستثارة الضحكات تارة و التعجب تارة، و الاستخفاف بلا انقطاع. يأتون للفصل ليسألهم المدرس على الملأ لماذا أتعبوا أنفسهم ليأتوا أصلاً، أو يعرب عن دهشته إذا بذلوا أدنى مجهود. و لكن لم يعاملني الأستاذ علي بهذه الطريقة. “أيه يا أحمد سمير؟ مش جايب كتابك تاني؟” أكاد أسمع تحيته هذه (فقد كانت آنية يلفظها لحظة يراني) التي أصبحت مقولة أخذ يرددها حتى بعدما أنتهت السنة الدراسية و أضحيت تلميذ مدرس عربية آخر. أراه في أحد الردهات و يطرح السؤال ذاته، و لا أستغرب ابتسامتي التي لم تضمر أبداً رغم تكراره الحثيث. أسلٍّم عليه و أمضي في طريقي. لم أغفل حكمة هذه المعاملة الطيبة، و التي بسببها لا أكن له الآن إلا الأحترام و الأمتنان. و التقدير. و الحب أيضاً.

أستأت كثيراً لخبر موته المفاجئ، الذي لا أفقه له سبباً واضحاً بعد. تكثر الأقاويل وتتوارى الحقيقة محاطة بعشرات من أشباهها؛ عندما توفي صديق أحد أصدقائي، و أتردد مجدداً في تلقيبه صديقاً لي، سمعت ما لا يقل عن سبعة أسباب لموته، شملت الإنتحار و الأغرب, أن أحد أصدقاءه قتله بعد مشادة، حتى سئمت التساؤل و رضيت بعدم معرفة السبب. ذهبت أنا و ثلاثة من أصدقائي (من ضمنهم التلميذ المفضل، الذي صعقت قليلاً لرؤية تعبيره الواجم) الى صلاة جنازته. و لكني لم أستشعر وطأة وفاة الأستاذ علي حتى رأيت جثمانه، يتهافت الرجال الحاضرون لإستخراجه من مؤخرة سيارة إسعاف، أساتذتنا الأخرون و تلاميذ و أقارب المتوفى، بوجوههم المنكسة و دموعهم المستترة. صافحت معظم الحاضرين و أكدت لهم، مرة تلو الأخرى، أن البقاء لله. ساد الصمت عندما أقتربت سيارة إسعاف و توقفت عند باب المسجد الذي تقررت الصلاة على الأستاذ فيها؛ أكاد أقسم أني لم أسمع صوتاً واحداً في كثير من تلك الليلة المقمرة، كأنما تكاتفت قوات الطبيعة و تآمرت ليشيًّع في محيط يناسب روحه الأدبية. عجزت طويلاً أن أزدرد أن ذلك الرجل، الذي كانت تعتمل بداخله نفس الحياة التي تنبض بداخلي أنا و أنت، يرقد الآن هامداً في صندوق! صندوق خشبي لا يميزه شئ فارغاً و لكن يعجز عقلي عن تصديقه ممتلئً. يفرض الموت وجوده بحتمية مذهلة، مفاجئة، كأنطفاء شمعة (و إن أفتفر التعبير للجٍّدة)، و إن كانت أشد تاثيراً: على عكس الحياة، الشمعة يمكن إضاءتها مرة أخرى.

لا أعرف ماذا دفعني للكتابة عن الأستاذ علي, خصوصاً الآن، و الوقت متأخر و أنا أرق متعب؛ الساعة تدنو من الثالثة فجراً و لم أغفل لحظة بعد، و غداً يوم طويل. لا يسعني إذاً إلا الأفتراض و التنظير: ربما السبب هو أني تعهدت الكتابة بالعربية مؤخراً. ربما يذهلني، أو يحزنني، أن الأستاذ علي رحل قبل أن يشهد التحول الذي أبتغاه فيًّ تلك المدة الطويلة، و الذي أفتقده حتى رحيله. ربما أرتأيت ببساطة أن الموضوع جدير بالتدوين. أياً كان السبب، ها أنا فعلت و كتبت.

 ربما أستطيع أن أنام الآن.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s