عن كوني طالباً لا يعمل و مفارقة حياة المدينة

“.السلام عليكم”

سلًّم عليًّ في الطريق, رافعاً يده اليمنى في تحية, و يكفي أن تعيش يوماً في هذه المدينة لتدرك ندرة هذا الفعل, فهنا لا يحدث أحد من لا يعرفه إلا ما ندر, أو لإلقاء سؤال عابر كأين هذا أو كيف أصل الى هناك  أو كم الساعة. و لذلك أصبح أن يكلمك غريب  شيئاًغريباً جداً, و الأمر الذي يبرهن غرابة العيش في المدينة و المفارقة الأعظم المرافقة لها: تعيش في مكان يصخب بالحياة و لا تحدث أحداً, و تستغرب إن أخترق أحد قوقعتك التي تشرنقت بداخلها, هنا, حيث أوج الحياة الجماعية, حتى يصبح من المغضب أو المهين أن يكلمك أحد, خصوصاً مع تحفظات المجتمع (التي أنبذا كلها). و إن أستفاض لقاؤك  مع غريب (إن حصل) الى نتيجة طيبة, أو قصة طريفة تحكيها لأصدقائك, تتهلل لعلمك أن هذا شئ مدهش حقاً. و أندهشت أنا بالفعل لهذا الرجل, و لتحيته. كان أربعينياً, أو أعتقدت أنه كذلك من ذقنه النابتة المرقطة بالشعيرات البيضاء المتناثرة و تعبير وجهه المنهك. مقارنة بما كنت أرتدي أنا (و كنت أرتدي البسيط نسبياً), كانت ملابسه رثة و زاهدة, و عرفت من جبينه المتعرق, و مصافحة يده المبللة عرقاً, أنه كان قد أطال المشي. سألني: “طالب أم تعمل؟” فقلت له أني طالب. أبتسم و تنمى لي التوفيق بنبرة أستشققت فيها صدق التعبير فشكرته و رجعت أمشي, بعد أن أنصرف هو كأنما ليلحق بشئ مهم قبل أن يداهمه الوقت. كنت قد أستنبطت سبب سؤاله و لكني لم أُعل الأمر أهتماماً بعد ذلك. أقتربت من البيت و أستوقفني رجل آخر, و لوهلة أعتقدت أنه الرجل نفسه الذي ألقى السلام و السؤال المقتضب و و التمني الصادق و ذهب, فقد كان يكسو وجهه نفس التعبير المسترسل, المشؤوب بأمل و إن كان قليلاً. هذه المرة سألني, ” الأخ من مصر؟” و قلت نعم. سألني بحماس إن كنت أستطيع مساعدته في ايجاد عمل و أجبته أني طالب فقط, و في عدم معرفتنا بمعارف العمل تشابهنا أنا و هو, و فضلاً عن مصريتنا المشتركة أعجز عن أيجاد المزيد من ما نشترك فيه, فأنا كما أنا و هو كما هو. أنا المسؤول و هو السائل, و بين هاتين المحيط كله. أسهبت في التواضع كي لا أجرحه بالتعالي و أجبت أسئلته عن دراستي بصدق, لأتعجب لأسئلة الرجل و انعدام أنانيتها لاحقاً, فقد أستعلم عن صعوبة الدراسة و أ. شكرني و بدا كأنما يهمّ ذاهباً فكررت مرة أخرى “الله يسهل لك” التي تأكدت من حشوها بين كل جملة و الأخرى. و ذَهَبَ و ذَهبتُ.

و بعدما تركته و ذهبت تذكرت شيئاً حمل بعضاّ من الألفة لما قد حصل. أستحضرتني الذكريات بسرعة, و رحت أراها كأنما أشاهدها أمامي بالفعل. كنت صغيراً و كان أبي  يمثل لي (طبعاً) رمز كل ما هو قوي و قادر, إنسان (كبير) من الدرجة الأولى, و هذا بالمقارنة بقلة حيلتي أنا كيافع. و عندما كان يستوقفنا أحد يبدو عليه قلة الحظ, أو الأسوأ, الفقر الواضح, كنت أهرع لأبي مستنجداً, آملاً أن يستطيع هو مساندة الشخص حيث عجزت أنا (و هذا فضلاً عن تبرمي الشخصي, و الذي كثيراً ما يصل حد البكاء المستتر إن لم يصل الى الفاضح منه). و أتذكر أني كنت أتعجب لعدم أهتمام أبي, و لا مبالاته لأولئك المتسولين و المحتاجين, و لنسيانه الظاهر لتلك الحادثة, و كأنما بقوله “الله يسهل لك” قد صرف النظر تماماً عن الموضوع, و عن معاناتهم التي لم أغفلها أنا فحسب, بل أخذت تمزق عاطفتي الصغيرة. بالطبع لم ألمه لتحيزي الكامل له, و لكني لم أنس التناقض الواضح, و التباين بين توقعي و الواقع. مع مرور الوقت تناسيت كل هذا, حتى تذكرته اليوم.

اليوم لحظت جانباً من المشهد لم ألحظه حينئذٍ. اليوم وجدت نفسي حيث كان أبي, في مركز المتلقي, المسترسل اليه, و فهمت أني ظلمت أبي عندما أعتقدت أنه لم يبالي. فما أوّلته أنا كلا مبالاة كان ذات العجز الذي كساني أنا اليوم, و تلك الإيماءة التي كان يرد أبي بها على تضرعاتي اليه و توسلي, ما كانت إلا أدنى أعتراف بإحساسه ما كنت أحسه من شفقة و تعاطف و أسى, ممزوجاً برزانة الكبار (أو الآباء) المتوقعة تماماً.

كم يضيع واقع الأشياء إثر الجهل البسيط الصادق.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s