محطة بنزين

بدأت شكواها بخرير متقطع, تجاهلته في البداية أملاً مني أن تصلح المشكلة نفسها أو, على الأقل, أن أضطر لإصلاحها لاحقاً. و لكن كانت لسيارتي رؤية مختلفة, و تصاعد خريرها المعدني الى أزيز مؤلم متكرر, أشد صوتاً و أستماتة من قبل, و شيئاً فشيئاً تصاعد من بين فتحات غطاء المحرك دخان أسود بدا لي من كثافته و لونه القاتم أنه سام. خطر لي أن سيارتي, بكل ما بها من معدن متين, تتأذى من شمس الصيف الحارقة كما اتأذى أنا. تبسمت لنفسي و هتفت لها: “أصبري يا صفية!” و ربتٌّ على منضدتها. قدت قليلاً بعد في ذلك الطريق الصحراوي الخاوي القاحل, و بمعجزة ما, التفتً و وجدت محطة بنزين قريبة, و كانت هذه واحدة من تلك المحطات الحديثة التي تشمل كل احتياجات السائق, ففضلاً عن كونها محطة للتزوّد بالبنزين (طبعاّ) فبها أيضاً سوبرماركت صغير, مطعم, و حمامات للسائقين الذي تحتدم الأمور معهم وتتفاقم وهم في عزلة الطريق. قدت حتى دلفت بمقدمة سيارتي المحطة (بالكاد) و دفعتها بقية الطريق, و ساعدني العامل بالمحطة (الذي كان يرتدى بذة زرقاء مألوفة أبدت عن هويته دون أن يفصح عنها هو) فكنت أدير أنا عجلة القيادة و أدفع من مقدمة السيارة و يدفع هو من مؤخرتها. أدخلناها المحطة و أوقفناها عند محطة تغيير الزيت الصغيرة, التي تسع سيارتين فقط في أي وقت ما, و حينها تحدث الي الرجل في وجوم, و تعرفت فوراً على لهجته التي أشاركه فيها. كانت الشمس اللاذعة تلسع جلد أذعي و وجهي, و أحسست أن وجهي ينصهر من فرط الحرارة, أو يذوب مع قطرات العرق الذي أخذت تنسدل من جبيني و تتسلل, مالحة و حادة المذاق, الى عيني و فمي.

“بقالها قد أيه كده؟” سألني و هو يلهث من وطأة دفع السيارة, و كنت أنا أيضاً متعباً.

“ربع ساعة كده, عشرين دقيقة. محتاجة تغيير زيت بس و تبقى كويسة.”

“إن شاء الله.”

أومأت له أي أوافقك و لكن لم أقل شيئاً.

“أتفضل يا باشا طيب” و أشَّرَ لغرفة أنتظار صغيرة مصنوعة من الزجاج. “عشرين دقيقة كده و تبقى تمام.” أومأت مرة أخرى ودلفت الغرفة, التي أستطعت منا مشاهدة فعاليات تغيير زيت صفية من الأريكة  التي بردت من المكيِّف المدار عن آخره. كانت هناك شاشة تلفزيون تنقل صورة رجل ما, مرتدياً بذلة أنيقة رمادية, يصرخ مستنكراً حربً ما حتى كادت عينيه أن يقفزا من رأسه معترضين. هممت واقفاً و فتحت الباب الزجاجي, آملاً أن أنقل بعضاً منالهوء البارد الذي أنعم به ناحية العامل. قبل أن ينتبه إلي و إلى محاواتي وجدته ينادي تجاه المطعم القريب, فهمت أنه يسأل إن كان هناك شئ. “سامسينج؟” نادى العامل ذو البذة الزرقاء بأنجليزيته البدائية, و كانت تسطع بذته في ضوء الشمس الغامر رغم  اتساخها و تضرجها بشى السوائل, و رد عليه عامل الكاشير الآسيوي (و الذي يشكل أمثاله معظم الطبقة العاملة هنا) بالنفي, محركاً رأسه يميناً و يساراً أي ليس هنالك, باسطاً كفيه مستسلماً. جاءه الرد من العامل المنكفئ علئ سيارتي و التي تلطخت يديه بريت سيارتي و أشحمها, تنهد و قال “ماشي” بصوت خافت لم يطله سمع الكاشير بالطبع. أنهمك العامل بالعمل لي سيارتي و أنصرف أهتمامه عن الكاشير, الذي التقط خرقة و أستكمل تلميع منضدة المطعم الشهير الذي يعرف أسمه الجميع و لا بد. تساءلت إن كان العامل تضايق من شي فعله الكاشير, أو أنه  ثم لاحظ العامل فعلتي –الباب المفتوح- و قال لي:

“يا باشا.”

قلت “نعم.”

“ممنوع يا باشا. الباب ممنوع يتفتح. للعملاء بس.”

“شوية بس عشان الحر.”

أبتسم قليلاً و بدى يتأمل كلامي. تهللت أنا, قلت لنفسي ها قد أذعن, لم تبؤ بادرتي الصادقة بالفشل بعد. ثم مسح عن جبينه و ردد, “ممنوع يا باشا.”

“خلاص, ولا يهمك. حاضر.” و أغلقت الباب ممتعضاً فشلي. شاهدت التلفزيون قليلاً, وكان الرجل الغاضب قد أستبدل بآخر ببدلة سوداء و يغطي نصف وجهه الأسفل لحية منمقة, و كان لا ينقصه من غضب أخيه الذاهب شئ. استرقت النظر الى العامل من حين للآخر, و بالرغم من عدم سماعي لما يقول –لم أستطع السماع بعد أن أغلق الباب- تأكدت من مراقبة حركة شفاه أنه ما زال يتساءل عن وجود ذلك السامسينج. أنتابني الفضول و لكني لم أفعل شيئاً لإرضاء أسئلته, و رجت أشاهد التلفزيون و لكني غيرت المحطة. لم يحلو لي كل ذلك الصراخ, و تساءلت إن كانوا من يصرخون قد حققوا أي منفع لتلك القضايا التي يجسرون بالهتاف من أجلها. بعد بحو نصف ساعة أنتهت مراسم علاج صفية, و كان العامل لم يكف قد كفَ عن السؤال عن السامسينج طيلة مدة أنتظاري. دفعت ما عليّ للعامل و تذكرت فضولي فسألته:

“في حاجة محيراني بس…”

“أتفضل يا باشا, رَقَبّتي.”

“الكاشير اللي هناك ده ماله؟ أصلك بتقول له سامسينج, سامسينج. هو ضايقك في حاجة؟”

قهقه الرجل عالياً كما لو أستعجب لحماقة.

“يا باشا, الله يحفظك, هناك مطبخنا. ساعات حد يسيب حاجة كده ولا كده من أكله يعني. بيبقوا يدوهالنا, بس النهاردة الناس شكلها جعانة أوي, الحر و عمايله. كنت بسأله: سامسينج فور مي؟ أي حاجة عشاني يعني. مبتتكلمش أنجليزي ولا أيه؟”

“شويّة” كذبت أنا.

تبسّم  لي ثم تطلع لصفية و قال: “خلاص كده فُل وأربعتاشر.تؤمر  بأي حاجة تاني؟”

أومأت له أي لا, ليس هنالك. “الله يخليك, يا…”

“محمد يا باشا.”

“شكراً يا محمد.”

أدرت المحرك, و عندما جاء الصوت منتظماً صحيحاً, و لم يظهر أي من الدخان الذي كان يخنق صفية, نظرت لمحمد و هنأته على عمله الرائع. ركبت صفية و أستطبت لصوتها الذي بات عذباً مرة أخرى, و قدت مبتعداً تحت نور الشمس الحارق, في الطريق الصحراوي البائس, متسائلاً متى تأتي نهاية هذا الطريق اللعين, و متى يأتي زبون محمد النصف جائع.

Advertisements

One comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s