جزء مفقود

استعدت اليوم جزئاً من نفسي كنت قد فقدته. أستيقظت من النوم و تذكرت ما كنت أقدم عليه كثيراً, و ذلك الذي كان يسعدني حد الأمتلاء الى أن توقفت: ذهابي للحديقة. كنت أذهب للقراءة هناك, أو ملتمساً الإنغماس في تأمل هادئ متعمق, و يستحضرني الآن محاولاتي المريرة لأكتشاف المألوف من جديد بمداهمته حيث يقبع, منتظراً الكشف عن ثناياه الوافرة, مترقباً من يستحسنه, ممارسات يافع متلهف للإلمام بتعقيدات الحياة, متشوق للكبر, مشمئزاً -و إن كان التعبير قاسياً- من غضاضة عوده الظاهرة, له أكثر من غيره, تلك البغاضة الصبيانية.

ذهبت اليوم مرة أخرى, محاولة تلت غياب ستة أشهر قضيتها إما في أروقة الجامعة البعيدة عن البيت أثناء الأسبوع, أو في نهايته, محاولاً تجميع فتات حياة أجتماعية, قاضياً وقتي مع أصدقائي و عائلتي (و نادماً لعدم إعطاء هؤلاء الآخرين حقهم من الوقت), و محاولاً أجتناب إهمال دراستي و قراءتي الأدبية, التي كثيراً ما تعلو على الدراسة و تمتاز عليها في الأهمية. و لذلك لم يتوفر لي وقت, و لم أذهب هناك منذ تلك الرحلة الأخيرة التي سبقت رحيلي إلى الجامعة و أبتعادي عن البيت, والتي لم أغفل طيلتها أني سوف أشتاق لذلك المكان الذي طالما أسعفني, و كثيراً ما كنت شاكراً لتلك القوات الغريبة التي سخرته, و محض الصدفة التي جعلتني مقيماً بجواره. و لكن بالطبع نسيت, و ازدردت بيئتي و حياتي و مسئولياتي الجدد أهتماماتي السابقة, و نسيت.

لم يكن مناسباً إلا أن أكتب هذا التدوين بالعربية, لأن أستخدام اللغة وحده يعبر عن حقيقة أكبر, و هي أني تغيرت كثيراً في تلك الشهور الستة, و ليس أصغر تلك التغييرات هو أحتضاني الوليد, المتلهف, للعربية, و الذي أسهم في خلقه-من ضمن عناصر أخرى كثيرة-الجامعة و من فيها من مناصرين لسيادتها, و منادين بأهميتها, و إن كان ذلك في بعض الأحيان واجهة كاذبة, و تعصباً واضحاً ضد اللغات الأخرى, و شوفينية مغال فيها و غير مدعومة حتى بمعرفة معقولة بالعربية و أصولها ,الأمر الذي نفرت منه شخصياً. الى جانب هذا كان ندمي و خيبة الأمل التي لاحقتني بأستمرار, لأهتمامي العنيد بالإنجليزية على حساب نظيرتها, و التي أيقنت, بشكل أو بآخر, أن الطريقة الوحيدة لتبريد نصلها هي الإرعواء. و أخيراً أستطيع استبدال تلك الأنهزامية, و الهروب المتواصل منها بأصطناع الأعذار العاجزة, و أستبدال كل هذا بأمل و رضى نفس المثابر الحالم.

كانت الساعة تعدت السابعة ببضع دقائق, و الشمس لم تحتل منصبها الحارق  الصيفي بعد-و هذا من أسباب أختياري للصباح, فضلاً عن كونه وقتي المفضل- و إنما كانت قابعة كسولة, بالكاد نازعة رداء سباتها, و أستعمر الهواء نسيماً متمرداً, في أوج برودته و لذته, كأنما مدركاّ أنه سيؤسر حبيس النهار الصحراوي قريباً, منتفعاً بأواخر مهلة حريته. و على عكس الشمس كان الزوار المعتادون نشطين, تماماً كما اعتدتهم منذ أشهر, راكضين أو متمشين أو متهامسين في صمت الصباح, أو ممارسين اليوغا و التركيز المعتز يعلو وجوههم, أو أطفال قاموا بأحتلال المراجيح بتعسف و استحواذ, أو آبائهم و أمهاتهم الذين تخلف أشكالهم و أدينتهم التي يلبسونها ظاهرة في هيئاتهم و ملابسهم, و لكن تتماثل بانتظام دالِّ أنماطهم و لطفهم في لعبهم مع أولادهم, كأنما هي الحاجة الأسمى في الحياه و تلبية نداء إلهي مُلِح… أليس كذلكً؟

قرأت على مقعدي المعتاد -بعد أن مسحت عنه قطرات الندى الجديدة بمنديل- حتى أشتدت حرارة الهواء, و بين قراءتي للأسطر يجرفني التذكر فألتهي و أضطر لإعادة القراءة. ذكريات كنت قد نسيتها فخلتها لم تحصل أبداً, فكيف نمتلك شيئاً فعلاً إلا إذا تذكرناه؟ راودتني الإبتذالات المعتادة أيضاً, خاصة خاطرة أننا لا ندرك أهمية الشئ إلا عندما يضيع, و زوائل أخرى من الأفكار قصيرة المدى, التي لا تلبث أن تفنى طريق العدم بعد ولادتها بلحظات قصيرة. قمت ووقفت, و ألقيت نظرة أخيرة ممتنّة, و في طريقي للعودة قررت أن أكتب عن صباحي الحافل, لأحاول تخليده بطريقتي البسيطة.

و ها أنا فعلت.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s