Month: May 2013

اللغة: إنجليزية

لم ينجرف أبي و أمي أبداً في طريق الهجر النهائي للعربية, كما فعل الكثيرون حديثاً (حسبما أرى), كتلك العوائل العربية التي ترمي بالعربية بعيداً, مستبدلة لغتها الأم بأحتضان شرس و شغوف للأنكليزية, متحدثين بها في البيت و قاضين بها تعاملاتهم اليومية و أحاديثم المختلسة. أجد نفسي شاكراً لأبواي على ذلك, في حين أنني منذ سنتين أو ما يزيد بقليل كنت لألومهم أشد الآيات, مستنكراً إصرارهم المسالم, و تشجيعنا—أنا و أخوتي—على ألتقاف ما نتعلمه و نستفيد به من معاني و تعبيرات كلتا اللغتين. ولكن هذا ليس مديحاً لأبواي (لن أعطهم حقهم و إن حاولت بشتى الأساليب, و ليس مبتذلاً الأعتراف بذلك) وليس أيضاً هجاءً لمن أعتنق تلك اللغة التي درج أنها علامة التحضر و الرقي و التمركز,عادةً, في طبقات المجتمع العليا, الميسّرة أحوالها (المادية على الأقل)

 هذا أعتراف بفادحتي أنا, و لأعتقادي يوماً بأن العربية أقل أهمية لنضجي الفكري من نظيرها. كنت مخطئاً بشأنها و كان سبب خطئي—كما هو الحال مع أخطاء كثيرة—جهلي بها و بأدبها و صوتها الطنان العذب, و عمق معانيها. أجمل ما فيها أحتواء طيّاتها على الذكريات المكدسة, التي عند نفعيلها (بالقرائة أكثر الأحيان) تطلق العنان لحنين جارف للماضي و الطفولة, تلك الذكريات المقدسة تقديس العارفين المتيقنين.

كان لهجري النسبي للعربية تداعيات سيئة, و أسوأ ما في وضعي الآن هو الصعوبة التي تواجهني في التحدث بها بطلاقتي عند أستعمالي الإنجليزية, و في التعبير بذلك المزيج من الثقة المتزعزعة للقليل جداً و الأعتداد المحصَّن بالنفس و الآراء و التوجهات, الذي كثيرا ما تحرَّف نيته الى غرور مطلق و متفشي فيَّ الى الأمتلاء. و ليست هذه الظاهرة—أو الإعاقة—جديدة علي, فقد واجهتها مرة من قبل عند أنفلاتي الأول من شرنقة الطفولة الدافئة و الى الحاجة الوليدة للتعبير عن النفس, و تمتمتي لبعض الكلمات الإنجليزية المتقطعة و المتنافرة, عندما أحرجتني عدم قدرتي الواضحة على التحدث الإنجليزية أول مرة و وجدت نفسي أهرع الى صمت تام و متشائم, بعدما أشتد عبء الكثير من المحاولات الفاشلة لإيجاد الكلمات المناسبة في ترتيب صحيح مبهر (و غيرعاميّ), و عندئذ أكتشفت فرقاً جوهرياً, و ربما بديهياً أيضاً و لكنه كان قد تفاداني الى اللحظة: أن المعرفة بلغة كتابةً و أصطلاحاً لا تترجم آنياً الى طلاقة في التحدث, و أن تلك الأخيرة تحتاج صقلاً مطولا

و في ذلك المشكلة و حلّها أيضاً: يجب أن أتحدث العربية  قدر المستطاع. ربما أكتب مذكراتي بها أيضاً